محمود محمود الغراب
118
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
الشوق والاشتياق : اعلم أن الشوق إلى الحضرة الإلهية ذاتي للعارف ، والصبر عرضي ، والشوق للمحبة وصف لازم تابع لها ، فإن الحب يتحكم بسلطانه في المحب ، فيؤثر فيه على البعد الشوق ، وعلى القرب الاشتياق ، فسواء بعد الحبيب أو قرب ، فإن أثر الحب في المحب أمر لازم ، فالشوق يسكن باللقاء ، والاشتياق يهيج بالالتقاء ، لا يعرف الاشتياق إلا العشاق ، من سكن باللقاء قلقه فما هو عاشق ، عند أرباب الحقائق ، من قام بثيابه الحريق كيف يسكن ؟ وهل مثل هذا يتمكن ؟ للنار التهاب وملكة ، فلا بد من الحركة ، والحركة قلق ، فمن سكن فما عشق ، كيف يصح السكون ؟ ! وهل في العشق كمون ؟ ! هو كله ظهور ، ومقامه نشور ، العاشق ما هو بحكمه ، وإنما هو تحت سلطان عشقه ، ولا يحكم من أحبّه ، هكذا تقتضي المحبة ، فما حب محب إلا نفسه ، أو ما عشق عاشق إلا معناه أو حسه ، لذلك العشاق يتألمون بالفراق ، ويطلبون لذة التلاق ، فهم في حظوظ نفوسهم يسعون ، وهم في العشاق الأعلون ، فإنهم العلماء بالأمور ، وبالذي خبأه الحق خلف الستور ، فلا منة لمحب على محبوبه ، فإنه مع مطلوبه ، وما له مطلوب ، ولا عنده محبوب ومرغوب ، سوى ما تقر به عينه ، ويبتهج به كونه ، ولو أراد المحب ما يريده المحبوب من الهجر ، هلك بين الإرادة والأمر ، وما صح دعواه في المحبة ، ولا كان من الأحبة . ( ذخائر الأعلاق - ف ح 4 / 368 ) والشوق حركة روحانية إلى لقاء المحبوب ، وحركة طبيعية جسمانية حسية إلى لقاء المحبوب ، إذا كان من شكله ذلك المحبوب ، فإذا لقيه أي محبوب كان ، فإنه يجد سكونا في حركة ، فيتحير لماذا ترجع تلك الحركة مع وجود اللقاء ، ويراها تتزايد ، ويدركه معها خوف في حال الوصلة ، فيجد الخوف متعلقه توقع الفرقة ، ويجد الحركة الاشتياقية تطلب استدامة حالة الوصلة ، ولذلك يهيج باللقاء ، كما قيل في الشوق : وأبرح ما يكون الشوق يوما * إذا دنت الديار من الديار فإن الشوق أبرح ما يكون إذا أبصر المحب دار المحبوب ، والشوق المبرح هو المظهر لما يكنه الجنان من الهوى ، ولنا : شوق بتحصيل الوصال يزول * والاشتياق مع الوصال يكون إن التخيل للفراق يديمه * عند اللقاء فربه مغبون